السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

117

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والإمعان فيه . قابل إبراهيم عليه السّلام أباه فيما أساء اليه وهدّده وفيه سلب الأمن عنه من قبله بالسلام الذي فيه إحسان وإعطاء أمن ، ووعده أن يستغفر له ربه وأن يعتزلهم وما يدعون من دون اللّه كما أمره أن يهجره مليّا . أما السلام فهو من دأب الكرام قابل به جهالة أبيه إذ هدّده بالرجم وطرده لكلمة حق قالها ، قال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( الفرقان / 72 ) ، وقال : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( الفرقان / 63 ) ، وأما ما قيل : إنه كان سلام توديع وتحية مفارقة وهجرة امتثالا لقوله : « اهْجُرْنِي مَلِيًّا » ففيه أنه اعتزله وقومه بعد مدة غير قصيرة . وأما استغفاره لأبيه وهو مشرك فظاهر قوله : « يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا » أنه عليه السّلام لم يكن وقتئذ قاطعا بكونه من أولياء الشيطان أي مطبوعا على قلبه بالشرك جاحدا معاندا للحق عدوا للّه سبحانه ولو كان قاطعا لم يعبّر بمثل قوله : « إِنِّي أَخافُ » بل كان يحتمل أن يكون جاهلا مستضعفا لو ظهر له الحق اتّبعه ، ومن الممكن أن تشمل الرحمة الإلهية لأمثال هؤلاء قال تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( النساء / 99 ) ، فاستعطفه عليه السّلام بوعد الاستغفار ولم يحتم له المغفرة بل أظهر الرجاء بدليل قوله : « إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا » وقوله تعالى : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ( الممتحنة / 4 ) . ويؤيد ما ذكر قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( التوبة / ) ، فتبرّيه بعد تبيّن عداوته دليل على أنه كان قبل ذلك عند الموعدة يرجو أن يكون غير